الشيخ محمد رشيد رضا
73
الوحي المحمدي
نتيجة تلك المقدمات العشر هنا وصل درمنغام إلى آخر المقدمات التي تتصل بالنتيجة المطلوبة له ، فأرخى لخياله العنان ، ونزع من جواده اللجام ، ونخسه بالمهماز ، فعدا به سبحا ، وجمح به جمحا ، وأورت حوافره له قدحا فأثارت له نقعا وأذن لشاعريته الفرنسية في بريق لمعها ، وظلمة نقعها ، أن تصف محمدا عند ذلك الغار ، بما تحدثه في نفسه مشاهد نجوم الليل وما تسفعه به شمس النهار ، وما تخيل إليه أنه كان يراه في قنة الجبل من صحارى وقفار ، وخيام وآبار ، وما ثم خيام ولا آبار ، ومن رعاة تهشّ على غنمها حيث لا أشجار ، حتى ذكر البحار على بعد البحار ، وسيذكر موج البحر أيضا ، ونسي أن يصف الفلك المواخر فيه ، وما يعرض لها في حالة الرهو والريح الطيبة ، وحالة العواصف والأمواج المصطخبة ، فكل منهما في القرآن ، ولم يكن رآه محمد من جبل حراء . قد أتقن هذا الفرنسي التخيل الشعرى ، ولكنه لم يوافق به الوصف الموضعي . ثم قال مصورا لما يبتغيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم من مشاهداته المزعومة : « وهذه النجوم في ليالي صيف الصحراء كثيرة شديدة البريق حتى ليحسب الإنسان أنه يسمع بصيص ضوئها ، وكأنه نغم نار موقدة » . « حقا ! إنّ السّماء لشارات للمدركين ، وفي العالم غيب كلّه . ولكن ألا يكفى أن يفتح الإنسان عينيه ليرى ، وأن يرهف أذنه ليسمع ؟ ليرى حقا ؟ وليسمع الكلم الخالد ؟ لكنّ النّاس عيونا لا ترى وآذانا لا تسمع . أما هو فيحسب ( ! ! ) أنه يسمع ويرى . وهل تحتاج لكي تسمع ما وراء السماء من أصوات إلا إلى قلب خالص ونفس مخلصة وفؤاد ملئ إيمانا ؟ » . « ومحمّد في ريب من حكمة الناس ، فهو لا يريد أن يعرف إلا الحقّ الخالص ، الذي لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه باطل ، وهو يستطيع العيش إلا بالحقّ ، والحق ليس فيما يرى حوله ، فحياة القرشيين ليست حقا ، وربا المرابين ، ونهب البدو ، ولهو الخلعاء وكل ما إلى ذلك لا شئ من الحق فيه ، والأصنام المحيطة بالكعبة ليست حقا ، وهبل الإله الطويل الذقن الكثير العطور والملابس ليس إلها حقا » . « إذن فأين الحقّ وما هو ؟ » . « وظل محمّد يتردّد على حراء في رمضان من كلّ عام سنوات متوالية ، وهناك كان يزداد